في كل مرة يتعثر فيها المنتخب، يتكرر المشهد ذاته، وتتجه أصابع الاتهام مباشرة إلى المدرب، وكأنه المسؤول الوحيد عن كل ما حدث، لتتحول إقالته إلى الحل الأسرع والأكثر شعبية، بينما تُهمَل الأسباب الحقيقية التي صنعت هذا الإخفاق عبر سنوات من القرارات الخاطئة وغياب التخطيط.
لا خلاف على أن المدرب يتحمل جزءًا من المسؤولية، فهذه طبيعة عمله، وهو أول من يُحاسب على النتائج.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح هو: متى يكون تحميله المسؤولية منطقيًا وعادلًا؟
وهل يمكن محاسبة مدرب لم يحصل أصلًا على الوقت الكافي لتطبيق أفكاره أو تقييم عمله؟
دونيس الذي لم يخض سوى ثلاث مباريات ودية، ثم ثلاث مباريات رسمية في بطولة بحجم كأس العالم، لا يمكن تحميله وحده تبعات إخفاقٍ تراكمت أسبابه عبر سنوات، فمن غير المنطقي أن نطالبه بإصلاح منظومة تعاني من اختلالات فنية وإدارية وهيكلية في فترة زمنية قصيرة، وكأنه يمتلك عصا سحرية تغير واقع الكرة بين ليلة وضحاها.
إن تقييم المدرب يجب أن يكون بعد منحه الوقت الكافي للعمل، وبعد أن تتوافر له الأدوات اللازمة للنجاح، أما محاكمته منذ الأيام الأولى، فهو نوع من الهروب من مواجهة المشكلات الحقيقية التي تعيشها الكرة السعودية.
ومن أبرز تلك المشكلات، السياسة التي منحت الأندية مساحة واسعة للتعاقد مع أعداد كبيرة من اللاعبين الأجانب.
صحيح أن هذه السياسة رفعت من جودة المنافسة داخل الدوري، وأسهمت في استقطاب نجوم عالميين، إلا أن لها أثرًا جانبيًا لا يمكن تجاهله، يتمثل في تقلص دقائق مشاركة اللاعب السعودي، خاصة في المراكز التي أصبحت مزدحمة بالمحترفين الأجانب.
اللاعب الذي يقضي معظم الموسم على مقاعد البدلاء، أو يشارك لدقائق معدودة، لا يمكن أن يصل إلى المنتخب الوطني وهو في أفضل جاهزية فنية وبدنية، فالمنتخبات القوية تُبنى على لاعبين يشاركون باستمرار مع أنديتهم، ويخوضون مباريات تنافسية بشكل منتظم، وليس على لاعبين يفتقدون نسق المباريات.
ولذلك، فإن تراجع مستوى المنتخب لا يمكن فصله عن واقع اللاعب المحلي داخل الدوري، فحين تقل فرص المشاركة، ينخفض التطور الفني، ويتراجع مستوى الجاهزية، ويظهر ذلك بوضوح عند المنافسة الدولية، حيث تكون الفوارق الفنية والبدنية أكثر وضوحًا.
إلى جانب ذلك، يبقى غياب الاستراتيجية الواضحة أحد أهم أسباب الإخفاق.
فالنجاح لا يتحقق بقرارات وقتية أو بردود أفعال عاطفية، وإنما يحتاج إلى رؤية طويلة المدى، تبدأ من الفئات السنية، مرورًا بتطوير المسابقات المحلية، ووصولًا إلى إعداد المنتخب الأول وفق خطة متكاملة ومستقرة.
المنتخبات الكبرى لم تصل إلى القمة بسبب تغيير المدربين بعد كل خسارة، وإنما لأنها بنت مشاريع واضحة المعالم، وحددت أهدافها، وصبرت على تنفيذها حتى ظهرت النتائج.
أما كثرة التغييرات، فإنها غالبًا ما تعيد العمل إلى نقطة الصفر، وتؤخر عملية البناء بدلًا من تسريعها.
كما أن الاستقرار الفني لا يعني الإبقاء على المدرب مهما كانت النتائج، وإنما يعني منحه الفرصة الكافية، ثم تقييمه وفق معايير فنية عادلة، بعيدًا عن الانفعال وضغط الجماهير ووسائل الإعلام.
وليد بامرحول
المصدر – جريدة الرياض

