يستطيع طبق واحد في الرواية أن يفتح بابًا على مدينة كاملة فالخبز يكشف مستوى العيش، والقهوة ترسم خريطة الضيافة، والوليمة تحدد مواقع الجالسين، ورائحة طعام قديم تعيد الشخصية إلى بيت غادرته منذ أعوام. في السرد، لا يدخل الطعام من باب المطبخ وحده، بل يأتي محمّلًا بالهوية والذاكرة والطبقة والعاطفة.
منذ الحكايات العربية القديمة، حضرت المائدة بوصفها مساحة للحكي وكشف الطباع. ففي “البخلاء” للجاحظ تصبح اللقمة مدخلًا إلى السخرية من الشح وتفكيك سلوك أصحابه، وفي المقامات يدفع الجوع الشخصيات إلى الحيلة وصناعة المواقف، بينما تقترن الولائم في “ألف ليلة وليلة” بالوفرة والدهشة والتحول في مصائر الأبطال. ولم تكن الأطعمة تفصيلًا زائدًا؛ فقد أسهمت في بناء الشخصيات وإظهار الفروق بين الغنى والفقر والكرم والحرمان.
وفي الرواية الحديثة، اكتسب الطعام وظائف أكثر تعقيدًا فالمائدة تكشف من يجلس في صدر المكان، ومن ينتظر، ومن يطهو ويقدّم، ومن يملك حق الكلام. وتوضح هذه التفاصيل ما قد يخفيه الحوار المباشر من علاقات السلطة داخل الأسرة والمجتمع. وقد قرأت الأنثروبولوجية البريطانية ماري دوغلاس الوجبة بوصفها نظامًا من العلامات فترتيب الأطباق ومواعيد الأكل وحدود من يشارك المائدة تعكس بناء العلاقات الاجتماعية ودرجات القرب والانتماء.
تظهر هذه الدلالات بوضوح في “بين القصرين” لنجيب محفوظ، حيث تعكس موائد الأسرة نظام البيت وموقع الأب وأدوار النساء وتحولات الطبقة الوسطى في القاهرة. أما “الخبز الحافي” لمحمد شكري، فيجعل الجوع قوة ضاغطة تشكل الطفولة وتكشف الفقر والعنف والهامش الاجتماعي. وفي رواية “خبز على طاولة الخال ميلاد” للكاتب الليبي محمد النعّاس، ينتقل الخبز من كونه غذاء إلى عنصر بنائي يتصل بالمطبخ والعمل المنزلي ومفاهيم الرجولة والأدوار الاجتماعية.
وقد لفت هذا الحضور اهتمام النقد العربي؛ إذ تناول الناقد المغربي سعيد العوادي في كتابه “مطبخ الرواية.. الطعام الروائي من المشهدية إلى التضفير” عددًا من الروايات العربية، متتبعًا انتقال الطعام من وصف يكمّل المشهد إلى مكوّن يشارك في تشكيل السرد، ويحمل دلالات الهوية والرسالة والصراع. فالشخصية قد تعبّر عما تخشاه أو تفتقده عبر ما تأكله أو ترفض أكله، وقد تتحول الوليمة إلى إعلان قوة، والخبز إلى رمز للنجاة، والجوع إلى صورة للحرمان السياسي والاجتماعي.
وفي السرد السعودي، يزداد الطعام ثراء بفعل التنوع الجغرافي والثقافي للمملكة. فالقهوة والتمر في مشاهد المجالس لا يؤديان وظيفة الضيافة وحدها، بل يحددان إيقاع اللقاء ودرجات القرب والاحترام. كما تستدعي أطعمة نجد والحجاز والجنوب والسواحل بيئاتها بما تحمله من حبوب وتوابل وطرائق إعداد وأدوات مطبخ فتمنح أسماء مثل الجريش والقرصان والمرسة وأطعمة الذرة والدخن والأسماك النص جغرافيته ونكهته المحلية.
وتقدم رواية “باهبل” لرجاء عالم مثالًا لافتًا على قدرة المائدة على تسجيل التحول الاجتماعي. فمحاولة تناول الطعام حول طاولة، مع تخصيص طبق لكل فرد واستخدام أدوات المائدة، تثير داخل العائلة دهشة ومقاومة، وتصبح علامة على دخول أنماط حديثة إلى البيت المكي. ولا يتعلق المشهد بطريقة الأكل وحدها، بل بالصراع بين المألوف والجديد، وبالتبدل الذي طال الحياة اليومية وصورة الأسرة عن نفسها.
ويتجلى ارتباط الطعام بالذاكرة في السيرة السعودية “في مشلح أبي وجدي: طفولتي الذاكرة الطاغية” لأمل التميمي، حيث تستعيد الكاتبة رائحة حمس البن، وصوت الهوند النحاسي المستخدم في دقه، وصورة الجدة وهي تعد القهوة. ولا تأتي هذه التفاصيل زينة للحكاية، بل تفتح أبواب البيت والطفولة والعائلة، وتنقل التجربة الشخصية إلى ذاكرة مكان ومجتمع.
وتكتسب المرأة موقعًا محوريًا في هذه الذاكرة؛ فالوصفات انتقلت طويلًا، وفي الغالب، بالمشاهدة والممارسة والرواية الشفوية، وكانت الأمهات والجدات حافظات لمعرفة تتصل بالمقادير والمواسم وطرق الحفظ ومناسبات إعداد كل طبق. وعندما يستعيد السرد هذه التفاصيل، فإنه يوثق معرفة منزلية ظلّت بعيدة عن السجلات الرسمية، ويمنح العمل اليومي في المطبخ دلالته الثقافية والإنسانية.
وفي أدب الغربة والهجرة، يصبح الطعام وطنًا مصغرًا. قد تكفي رائحة بهار أو طعم خبز لإعادة الشخصية إلى بيتها الأول، فتأكل لتقاوم النسيان، أو تطهو طبقًا قديمًا كي تعيد بناء شعورها بالانتماء في مكان جديد. كما تتغير الوصفات مع الرحيل، فتستبدل بعض مكوناتها وتحتفظ بأسمائها، مسجلة أثر التفاعل بين الهوية الأصلية والبيئة الجديدة.
المصدر – جريدة الرياض

