وجدت الرياضة، وكرة القدم على وجه الخصوص، لتكون مساحة للمتعة والترويح عن النفس، لا ساحةً للتوتر والصراعات. فهي اللعبة الأكثر شعبية في العالم، بما تحمله من حماس وندية وجمال بصري يجذب الملايين غير أن هذه المتعة تُشوَّه أحيانًا بسلوكٍ دخيل، يتمثل في التعصب الرياضي المفرط، الذي يحوّل التشجيع إلى خصومة، والنقاش إلى جدال عقيم، لا يُنتج وعيًا ولا يضيف قيمة.
وفي خضم هذا المشهد، يبرز المستفيد الحقيقي: الإعلامي الذي يقتات على الجدل، ويصنع من التعصب مادةً للانتشار، بينما يبقى المشجع هو الخاسر الأكبر.
إن المتأمل بعينٍ منطقية، يدرك أن المحصلة النهائية لهذا التعصب: لا شيء يُذكر. فالمبالغة في الولاء للنادي، وتقديمه على أولويات الحياة، ليست إلا استنزافًا للوقت والجهد، على حساب ما هو أنفع وأبقى.
المتعة مطلوبة، والتشجيع حق مشروع، لكن الاعتدال هو الفارق بين وعيٍ يرقى بصاحبه، وتعصبٍ يجرّه إلى ما لا يُحمد عقباه. فالأحاديث من قبيل: “تعاقدنا”، و”حققنا”، و”فزنا”… لا تعكس واقعًا حقيقيًا للمشجع، بقدر ما تُغذّي وهم الانتماء المفرط.
أيها المشجع، لن تجني من التعصب مكسبًا يُذكر، بينما يجني غيرك الشهرة والمال. أما أنت، فقد تخسر وقتك ومالك وطاقتك، وربما لا تجد حتى ما يُرضي ذائقتك من مستوى فني.
كرة القدم ليست ميدانًا لإثبات الذات، ولا منصةً لفرض الآراء، بل وسيلة للمتعة لا أكثر. ومن المؤسف أن تتحول لدى البعض إلى مصدر للغضب، أو سببٍ في افتعال الخلافات، رغم أنها لا تقدّم ولا تؤخر في حياة الفرد أو المجتمع.
ومع ذلك، يبقى الأمل قائمًا؛ فوعي الجمهور في تصاعد، والذائقة في نضج، وأنا على ثقةٍ تامة بأن جمهورنا أصبح أكثر وعيًا، وأرقى وأسمى من مهزلة التعصب الرياضي.
المصدر – جريدة الرياض

