أحترم كل شخص لديه وجهة نظر تجاه أحد مجالات الترفيه الحديثة، سواء كانت السينما أو الأفلام أو الرياضة. ولا شك أن السينما شهدت في السنوات الثلاث الأخيرة نموًا متصاعدًا في مبيعات التذاكر والإيرادات، وفقًا لما تشير إليه الإحصائيات. ومع ذلك، لا يمكن بحال من الأحوال مقارنة تذاكر مباريات دوري روشن السعودي بتذاكر السينما، حتى وإن شهدت المدرجات تراجعًا نسبيًا في الحضور خلال السنوات الأخيرة، مقابل الإقبال الجماهيري الواسع على دور العرض.
الفارق بين المجالين كبير وواضح؛ فمباريات الدوري تُقام بعدد محدود خلال الأسبوع، بينما تعمل دور السينما يوميًا وعلى مدار ساعات طويلة، مع تنوع كبير في الخيارات، ما ينعكس بطبيعة الحال على حجم الإقبال والإحصائيات.
ومن هنا، يمكن اعتبار ذلك ردًا على ما طرحه الأستاذ برجس البرجس في مقالته الأسبوعية بصحيفة مكة بعنوان: “تذاكر السينما ونمو المبيعات والإيرادات”. فالمقال تميز بجهد كبير في عرض المعلومات وربط الأرقام، إلا أن الربط بين مجالين مختلفين بهذا الشكل قد لا يكون موفقًا، نظرًا لاختلاف طبيعة كل منهما. ولا أخفي أن قراءتي الأولى للمقال دفعتني للتفكير بأن ازدهار السينما قد يكون أحد أسباب العزوف الجماهيري عن حضور مباريات الدوري في السنوات الأخيرة، وهو تساؤل طُرح كثيرًا في الإعلام الرياضي. لكن مع التعمق في القراءة، تبلورت لدي قناعة مختلفة تؤكد صعوبة المقارنة بين المجالين. وأستحضر هنا تجربة شخصية؛ إذ شاركت قبل نحو موسم في برنامج “الجولة” عبر إذاعة “يو إف إم” مع الصديق محمد القحطاني، وخلال الحلقة طُرح سؤال حول أسباب العزوف الجماهيري. وكانت إجابتي آنذاك تخمينية، حيث ربطت ذلك بعامل الطقس القاسي في فصل الصيف، مع توقع بعودة الجماهير إلى المدرجات مع تحسن الأجواء. كما تابعت العديد من البرامج الرياضية التي طرحت السؤال ذاته على ضيوفها، وكانت الإجابات غالبًا اجتهادية، ما يعكس حجم الحيرة حول هذه الظاهرة، ويؤكد أنها قضية تستحق البحث والتحليل للوصول إلى أسبابها الحقيقية ومعالجتها.
ومن واقع تجربة أخرى، حضرت نهائي كأس الملك بين الاتحاد والقادسية في أحد المقاهي الكبيرة بالمنطقة الشرقية، ولاحظت حضورًا جماهيريًا كثيفًا، بأجواء حماسية تضاهي ما يحدث داخل الملاعب. ومن خلال نقاش دار بيني وبين أخي عبدالمنعم، تطرقنا إلى ظاهرة الغياب الجماهيري، وطرحت حينها فكرة أن انتشار المقاهي الرياضية قد يكون أحد الأسباب المؤثرة، حيث توفر تجربة مشاهدة مريحة وجماعية بعيدًا عن صخب المدرجات.
ومن هنا، أرى أن من المهم على مراسلي البرامج الرياضية النزول للميدان، وإعداد تقارير ميدانية تستكشف هذا التحول في سلوك الجماهير، خاصة في المباريات الكبرى كالكلاسيكو والديربي، من خلال طرح سؤال مباشر: ما الذي يفضله المشجع اليوم؟ المدرجات أم المقاهي؟ ولماذا؟ فربما تغيرت نظرة الجماهير، وأصبح مشجع اليوم مختلفًا تمامًا عن مشجع الأمس.
حسين البراهيم
المصدر – جريدة الرياض

