في بولندا، لا يُنظر إلى روبرت ليفاندوفسكي بوصفه مهاجمًا يسجل الأهداف فقط، وإنما بوصفه الامتداد الأوضح لتاريخ طويل من المهاجمين الذين صنعتهم القسوة الكروية الأوروبية؛ لاعب يعرف كيف يعيش داخل منطقة الجزاء، وكيف يحوّل أقل الفرص إلى هدف، وكيف يحمل منتخبًا كاملًا فوق كتفيه لسنوات طويلة دون أن يفقد جوعه للتسجيل.
لم يأتِ ليفاندوفسكي من خلفية أسطورية أو بداية صاخبة، فقد شق طريقه عبر الدرجات البولندية بصبرٍ طويل، متنقلًا بين أندية صغيرة قبل أن يفرض نفسه تدريجيًا، حتى جاءت محطته مع بوروسيا دورتموند لتكشف أوروبا أمامه، ثم بلغ ذروة حضوره مع بايرن ميونخ، حيث تحوّل إلى واحد من أعظم المهاجمين في جيله، ماكينة أهداف لا تتعب، تجمع بين التمركز الذكي، والهدوء أمام المرمى، والقدرة على التسجيل بكل الطرق الممكنة.
في ألمانيا، لم يكن مجرد هداف ناجح، بل لاعب أعاد تعريف معنى الاستمرارية الهجومية. حصد دوري الأبطال، وسيطر على لقب هداف البوندسليغا لسنوات، ووصل إلى أرقام جعلته في مصاف أعظم مهاجمي أوروبا الحديثة، قبل أن يواصل رحلته لاحقًا مع برشلونة، محتفظًا بالحدّة نفسها رغم تقدمه في العمر.
لكن صورة ليفاندوفسكي مع بولندا بقيت أكثر حساسية وتعقيدًا. فمنذ ظهوره الدولي الأول، تحوّل سريعًا إلى الواجهة الأبرز للمنتخب، ثم أصبح الهداف التاريخي لبلاده بأكثر من 80 هدفًا دوليًا، وهو رقم يعكس حجم الفجوة بينه وبين بقية الأجيال التي مرت على الكرة البولندية. غير أن هذه الأرقام الضخمة كانت دائمًا تصطدم بحقيقة مختلفة في كأس العالم؛ أن المهاجم مهما بلغت عظمته يحتاج إلى منتخب يستطيع أن يشاركه الحلم.
شارك ليفاندوفسكي في مونديال 2018 بروسيا وسط توقعات كبيرة، لكن بولندا خرجت مبكرًا من دور المجموعات، وغادر البطولة دون أن يسجل، وهي لحظة بدت ثقيلة على لاعب اعتاد أن يجد طريقه إلى الشباك في كل مكان. وفي قطر 2022، عاد بصورة مختلفة؛ أكثر خبرة، وأكثر إدراكًا لقيمة الوقت، وهناك سجّل أخيرًا هدفه الأول في كأس العالم أمام السعودية، في لحظة امتزجت فيها الفرحة بالارتياح، حتى بدا وكأن الهدف لم يكن مجرد رقم شخصي، بل عبور متأخر لحاجز ظل يطارده سنوات طويلة.
وفي تلك النسخة، بلغت بولندا دور الستة عشر قبل أن تتوقف أمام فرنسا، لكن البطولة منحت ليفاندوفسكي شيئًا مهمًا؛ شعور اللاعب الذي لم يغادر المونديال ناقصًا تمامًا، فقد سجّل، وقاد، وحاول أن يمنح منتخب بلاده صورة أكثر تماسكًا مما حدث في روسيا.
ما يميز ليفاندوفسكي أنه لا يعتمد على الاستعراض أو الصخب، بل على الحرفة الخالصة. مهاجم يتحرك بعقلٍ بارد وسط الفوضى، ويعرف أين ستذهب الكرة قبل أن تصل، ولهذا ظل خطرًا حتى مع تغيّر المدربين والفرق والدوريات. وفي زمن أصبحت فيه المهاجمة تعتمد كثيرًا على السرعة والتحولات، بقي هو نموذجًا للمهاجم الكلاسيكي المتطور؛ القناص الذي لا يحتاج إلى فرص كثيرة كي يترك أثره.
ومع اقتراب كأس العالم 2026، تبدو الرحلة مختلفة بالنسبة إليه. العمر يتقدم، والبطولة المقبلة قد تكون ظهوره المونديالي الأخير، ولذلك سيدخلها وهو يعرف أن الفرص لم تعد مفتوحة كما كانت. أما بولندا، فستدخل البطولة وهي تدرك أنها تملك أحد أعظم مهاجمي تاريخها، وربما آخر مهاجم منحها هذا الشعور بالثقة أمام الكبار.
ولهذا، فإن حكاية ليفاندوفسكي مع كأس العالم ليست قصة لاعب يبحث عن إثبات قدرته على التسجيل، فقد فعل ذلك في كل ملاعب أوروبا، وإنما قصة مهاجم يريد أن يترك للمونديال صورة أخيرة تليق باسمه؛ صورة القنّاص الذي ظل يطارد اللحظة الكبرى حتى آخر الطريق.
المصدر – جريدة الرياض

