في تاريخ كأس العالم، لا تبقى كل الأهداف في الذاكرة، فبعضها يمرّ ضمن نتيجة، وبعضها يدخل أرشيف البطولة، لكن هناك أهدافًا قليلة تخرج من حدود المباراة، وتتحول إلى صورة وطنية كاملة. هدف سالم الدوسري في شباك الأرجنتين كان من هذا النوع؛ قوسٌ سعودي عبر سماء لوسيل، لم يغيّر نتيجة مباراة فقط، بل أيقظ ذاكرة منتخبٍ عرف المجد قديمًا، ثم عاد ليقول للعالم إن الأخضر لا يحضر إلى المونديال عابرًا.
لم تكن حكاية سالم مع كأس العالم وليدة تلك اللحظة، ففي مونديال روسيا 2018، سجّل هدف الفوز أمام مصر في الوقت بدل الضائع، مانحًا المنتخب السعودي أول انتصار له في كأس العالم منذ 1994، كان ذلك الهدف إشارة مبكرة إلى لاعب يعرف كيف يظهر حين تضيق المساحات وتثقل الدقائق الأخيرة. وتؤكد «فيفا» أن سالم سجّل هدفين بارزين في ذاكرة الأخضر المونديالية: أمام مصر في 2018، وأمام الأرجنتين في 2022، قبل أن يضيف هدفه الثالث أمام المكسيك في قطر.
لكن لوسيل كان المسرح الأوسع. أمام الأرجنتين، أحد أكبر المرشحين للقب، لم يدخل المنتخب السعودي المباراة بوصفه طرفًا مرشحًا، بل دخلها بروح فريق يعرف أن كأس العالم لا تكافئ الأسماء وحدها. وبعد تعادل صالح الشهري، جاءت لحظة سالم: استلام داخل المنطقة، مراوغة في مساحة ضيقة، ثم تسديدة مقوسة تجاوزت إيميليانو مارتينيز واستقرت في الزاوية البعيدة، هكذا تحولت النتيجة إلى 2-1، وهكذا وُلدت واحدة من أكبر مفاجآت البطولة.
قيمة ذلك الهدف لم تكن فنية فقط، رغم جماله، بل رمزية أيضًا، فقد أنهى الانتصار سلسلة طويلة للأرجنتين بلا خسارة، وفتح للسعوديين يومًا من الفرح النادر، حتى إن الاحتفاء بالفوز امتد إلى إعلان يوم إجازة بعد المباراة، في تلك اللحظة، لم يكن سالم جناحًا يسجل هدفًا، بل لاعبًا يختصر شعور جماهير رأت منتخبها يهزم بطل العالم لاحقًا، ويجبر الصحافة العالمية على إعادة النظر في صورة الكرة السعودية.
ومع المنتخب السعودي، يحمل سالم رصيدًا يتجاوز اللقطة الواحدة، فقد خاض أكثر من 100 مباراة دولية، وسجّل أكثر من 25 هدفًا، بحسب الإحصاءات المتاحة حتى نهاية 2025، كما أصبح من أكثر لاعبي الأخضر حضورًا في المرحلة الحديثة. هذه الأرقام مهمة، لكنها لا تشرح وحدها مكانته؛ لأن سالم ينتمي إلى نوعية لاعبين تُقاس قيمتهم بموعد الهدف لا بعدده فقط.
ما يميزه أنه لا يبدو لاعبًا ينتظر أن تأتيه المباراة سهلة، في كثير من اللحظات، يظهر حين يحتاج الفريق إلى من يتحمل قرارًا صعبًا: تسديدة من زاوية ضيقة، اختراق أمام دفاع متكتل، أو محاولة كسر إيقاع الخصم. لذلك ارتبط اسمه بالمواعيد الكبيرة؛ مع الهلال في البطولات الآسيوية، ومع المنتخب في كأس العالم، ومع الكرة السعودية حين تحتاج إلى واجهة فنية تليق بطموحها.
ومع اقتراب مونديال 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، ستكون قصة سالم مختلفة، لم يعد اللاعب الذي يبحث عن تعريف العالم بنفسه، فقد فعل ذلك في لوسيل. التحدي الآن أن يقود الأخضر بخبرة القائد، وأن يساعد المنتخب على الانتقال من لحظة المفاجأة إلى منطق الاستمرارية. فالفوز على الأرجنتين سيبقى خالدًا، لكنه لا يكفي وحده لصناعة مرحلة جديدة؛ المرحلة تحتاج أداءً متماسكًا، ونتائج قابلة للبناء، وشخصيات تعرف كيف تتحمل ضغط الذاكرة.
ولهذا، فإن سالم الدوسري في كأس العالم ليس مجرد صاحب هدف شهير، بل صاحب معنى، لاعب أعاد للأخضر شيئًا من ذاكرة 1994، وأضاف إليها صورة حديثة من لوسيل، وترك سؤالًا مفتوحًا قبل النسخة المقبلة: هل تبقى تلك التسديدة أجمل ذكرى سعودية عابرة، أم تصبح بداية سردية أكبر لمنتخب يريد أن يحضر في المونديال بجرأةٍ لا تخاف الأسماء؟
المصدر – جريدة الرياض

