في زحام لاغوس، حيث تختلط حرارة الشوارع بصوت السيارات وباعة الأرصفة، كان فيكتور أوسيمين طفلًا يطارد رزقه قبل أن يطارد المدافعين، يبيع أكياس المياه في الطرقات ليساعد أسرته، ويكبر في بيئة لا تمنح أبناءها رفاهية الحلم السهل، هناك بدأت الحكاية قبل الملاعب الكبيرة وقبل أضواء أوروبا، حكاية فتى تعلّم مبكرًا أن الجري ليس هواية، وإنما وسيلة للنجاة، ثم صار بعد سنوات أحد أكثر المهاجمين رعبًا في العالم.
لم يأتِ أوسيمين إلى كرة القدم من باب الرفاهية، فقد نشأ في منطقة أولوسوسون في لاغوس، بالقرب من أحد أكبر مكبات النفايات، وكان أصغر إخوته، وعرف مبكرًا معنى العمل في الشارع بعد ظروف عائلية قاسية، قبل أن تلتقط كرة القدم موهبته وتمنحه طريقًا آخر، هذه الخلفية ليست تفصيلًا عاطفيًا في قصته، لأنها تفسر شيئًا من شراسته داخل الملعب؛ ذلك الإصرار الذي يجعله يركض خلف كل كرة كما لو أنها فرصته الأخيرة.
بدأ التحول الحقيقي في كأس العالم تحت 17 عامًا عام 2015، حين قاد نيجيريا إلى اللقب وسجّل 10 أهداف، ليفتح لنفسه باب أوروبا من ألمانيا إلى بلجيكا ثم فرنسا، قبل أن يبلغ ذروته مع نابولي، وفي إيطاليا، لم يكن أوسيمين مجرد مهاجم ناجح، فقد صار رمزًا لنهضة تاريخية، حين ساعد نابولي على تحقيق لقب الدوري الإيطالي بعد انتظار دام 33 عامًا، كما أنهى موسم 2022-2023 هدافًا للدوري، في إنجاز جعله أول أفريقي يحقق هذا اللقب التهديفي في تاريخ المسابقة.
ومع منتخب نيجيريا، يحمل أوسيمين وزنًا خاصًا، فالنسور الخضر لا تبحث فيه عن مهاجم يسجل فقط، وإنما عن لاعب يعيد للمنتخب شيئًا من هيبته القديمة في كأس العالم، حتى مطلع 2026، وصل رصيده الدولي إلى نحو 35 هدفًا في 51 مباراة، ليقترب من رقم رشيدي يكيني، الهداف التاريخي لنيجيريا، وهي أرقام تؤكد أن أوسيمين لا يمثل موهبة عابرة، بل أحد أكبر مهاجمي نيجيريا في تاريخها الحديث.
لكن المفارقة أن هذا المهاجم، بكل حضوره وقوته، لم يكتب بعد فصله الحقيقي في كأس العالم، حضرت نيجيريا مونديال 2018 وهو في بداية طريقه الدولي، ثم غابت عن قطر 2022 بعد خسارة بطاقة التأهل أمام غانا، في واحدة من أكثر اللحظات قسوة على جيل كان يملك ما يكفي ليحلم بظهور عالمي مختلف، ومن هنا، يبدو مونديال 2026 بالنسبة إليه أكثر من بطولة مقبلة؛ إنه فرصة لاستعادة حق مؤجل، ونافذة كي يرى العالم أوسيمين بقميص بلاده على المسرح الذي يليق بحجمه.
قيمة أوسيمين الفنية لا تقوم على التسجيل وحده، فهو مهاجم يهاجم المساحة كما يهاجم المرمى، يضغط على المدافعين، يقاتل في الكرات العالية، ويحوّل أنصاف الفرص إلى تهديد حقيقي، وفي زمن أصبحت فيه المنتخبات تحتاج إلى رأس حربة قادر على بدء المعركة قبل منطقة الجزاء، يبدو أوسيمين نموذجًا مثاليًا لمهاجم لا ينتظر الخدمة، بل يصنع الفوضى التي تأتي منها الفرصة.
ومع نيجيريا، يصبح هذا الدور أكثر أهمية، لأن المنتخب يملك تاريخًا جماهيريًا كبيرًا في كأس العالم، لكنه يحتاج إلى قائد هجومي يعيد إليه الحضور الذي افتقده في السنوات الأخيرة، وإذا نجحت النسور في الوصول إلى مونديال الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، فسيكون أوسيمين في قلب الحكاية، لا باعتباره نجمًا أوروبيًا يعود إلى منتخب بلاده فقط، وإنما بوصفه ابن الشارع النيجيري الذي حمل قسوته معه، وحوّلها إلى قوة داخل الملعب.
هكذا تبدو قصة فيكتور أوسيمين أكبر من رحلة لاعب صعد من الفقر إلى النجومية، إنها قصة إرادة إفريقية خالصة؛ طفل باع المياه في طرقات لاغوس، ثم صار هدافًا تهابه دفاعات أوروبا، وبين البدايتين تقف كأس العالم كالفصل الذي ينتظر أن يكتمل، فصلٌ يريد فيه أوسيمين أن يقول إن النسور لا تكتفي بالتحليق في الذاكرة، بل تستطيع أن تعود إلى السماء حين تجد قائدًا يعرف معنى الصعود من القاع.
المصدر – جريدة الرياض

