في قرية بامبالي السنغالية، لم تكن أحلام ساديو ماني تبدأ من ملاعب مضاءة ولا من أكاديميات فاخرة، بل من ترابٍ مفتوح وكراتٍ بسيطة وطفلٍ يرى في كرة القدم طريقًا للخروج من ضيق المكان إلى سعة العالم. هناك، بعيدًا عن العواصم والضجيج، تشكّلت بدايات لاعب سيصير لاحقًا واحدًا من أعظم أبناء السنغال في تاريخها الكروي، ووجهًا أفريقيًا حمل موهبته بتواضع لا يشبه بريق النجومية المعتاد.
غادر ماني قريته صغيرًا مطاردًا حلمه، قبل أن تبدأ رحلته الأوروبية من فرنسا، ثم النمسا، ثم إنجلترا، حيث بلغ ذروة توهجه مع ليفربول، لم يكن جناحًا مهاريًا فقط، وإنما لاعبًا يركض بروحٍ لا تهدأ، يضغط، يسجل، يصنع، ويمنح الفريق طاقة هجومية نادرة. ومع ليفربول، حقق دوري أبطال أوروبا والدوري الإنجليزي، وصار أحد أضلاع ثلاثية هجومية ظلت في ذاكرة الكرة الحديثة.
لكن صورته الأعمق بقيت مع منتخب السنغال. فهناك لا يُنظر إلى ماني بوصفه نجمًا محترفًا في أوروبا، وإنما قائد خرج من أرضهم وعاد ليمنحها ما انتظرته طويلًا. في كأس أمم أفريقيا 2021، قاد السنغال إلى لقبها القاري الأول، وسجّل ركلة الترجيح الحاسمة أمام مصر، في لحظة لم تكن مجرد تتويج، وإنما مصالحة تاريخية بين منتخبٍ كبير وكأسٍ استعصت عليه طويلًا.
ومع كأس العالم، حمل ماني قصة أكثر تعقيدًا. شارك في مونديال 2018، حيث سجّل أمام اليابان، لكن السنغال خرجت من دور المجموعات بفارق اللعب النظيف في واحدة من أغرب نهايات البطولة. كان الخروج قاسيًا، لأنه لم يأتِ بسبب فارق فني واضح، وإنما بتفصيل صغير كشف قسوة المونديال حين يقرر مصير المنتخبات على حافة اللوائح.
ثم جاءت ضربة قطر 2022، حين تعرض ماني للإصابة قبل البطولة بأيام، فغاب عن منتخبٍ كان ينتظر قيادته بعد التتويج الأفريقي، غيابه لم يكن فنيًا فقط، فقد بدأ وكأن السنغال فقدت قلبها الهجومي ووجهها الرمزي في اللحظة التي كانت تستعد فيها لتقديم نفسها كقوة أفريقية ناضجة، ورغم عبور المنتخب إلى دور الستة عشر، بقي السؤال حاضرًا: ماذا لو كان ماني هناك؟
رقميًا، يملك ماني أكثر من 100 مباراة دولية مع السنغال، وما يزيد على 40 هدفًا، وهو من أبرز هدافي المنتخب في تاريخه، لكن مكانته لا تُقاس بالأرقام وحدها، قيمته في أنه منح السنغال شخصية بطل، ورفع سقف الطموح من منتخب موهوب إلى منتخب يعرف كيف يفوز.
ومع اقتراب كأس العالم 2026، قد تكون هذه النسخة فرصة ماني الأخيرة ليمنح حكايته المونديالية ما ينقصها، لقد فاز بأفريقيا، وتألق في أوروبا، وصار رمزًا في بلاده، لكن كأس العالم ما زالت تنتظر منه فصلًا أكبر، فصلًا لا يحضر فيه كاسمٍ في القائمة فقط، وإنما كقائد يريد أن يعوض غيابًا مؤلمًا ويثبت أن بامبالي التي أرسلت طفلها إلى العالم، ما زالت تنتظر منه عودةً تليق بالحلم الأول.
المصدر – جريدة الرياض

