قد لا تضم المجموعة الثانية في كأس العالم 2026 منتخبًا بحجم الأرجنتين أو فرنسا من حيث الإرث الكروي، لكنها تبدو واحدة من أكثر المجموعات تعقيدًا على مستوى الحسابات الفنية، إذ تجمع بين منتخب أوروبي يملك خبرة طويلة في البطولات الكبرى، ومستضيف يسعى لاستغلال الأرض والجمهور، ومنتخب آسيوي يريد إثبات أن ظهوره في مونديال 2022 لم يكن استثنائيًا، إضافة إلى منتخب بلقاني يمتلك طابعًا هجوميًا وقدرة على صناعة المفاجآت، ووفقًا لبيانات القرعة المنشورة عبر موقع FIFA تضم المجموعة الثانية منتخبات كندا وسويسرا وقطر والبوسنة والهرسك.
ويبدو المنتخب السويسري على الورق الأكثر استقرارًا داخل المجموعة ليس فقط بسبب تصنيفه المتقدم نسبيًا في تصنيف FIFA بل أيضًا نتيجة حضوره المستمر في البطولات الكبرى خلال العقدين الأخيرين، فمنذ كأس العالم 2006 لم تغب سويسرا عن أي نسخة من المونديال كما تمكنت من بلوغ الأدوار الإقصائية في أربع مناسبات من آخر خمس مشاركات، هذا الاستقرار انعكس أيضًا على مستوى النتائج الأوروبية، حيث نجح المنتخب في إقصاء فرنسا بطلة العالم من يورو 2020 قبل أن يصل إلى ربع النهائي.
ويملك المنتخب السويسري مزيجًا واضحًا بين الخبرة والجودة الفردية يتقدمه الحارس يان سومر أحد أكثر الحراس ثباتًا في أوروبا خلال السنوات الأخيرة، إضافة إلى غرانيت تشاكا الذي لعب دورًا محوريًا في تتويج باير ليفركوزن التاريخي بالدوري الألماني دون خسارة في موسم 2023-2024، فضلًا عن المهاجم بريل إمبولو المعروف بقوته البدنية وقدرته على اللعب في المساحات، كما يعتمد المنتخب السويسري على الانضباط التكتيكي والقدرة على إدارة المباريات الكبيرة، وهي عناصر جعلته خصمًا صعبًا أمام كبار أوروبا في السنوات الماضية.
أما المنتخب الكندي فيدخل البطولة وسط حالة من التفاؤل غير المسبوق خصوصًا أن هذه النسخة تُقام على أرضه وبين جماهيره وهي ميزة تاريخيًا ما منحت المنتخبات المستضيفة دفعة إضافية في كأس العالم، وتشير بيانات FIFA إلى أن كندا تشارك للمرة الثالثة في تاريخها بعد نسختي 1986 و2022، لكن الفارق أن المنتخب الحالي يُعد الأفضل في تاريخ الكرة الكندية من حيث نوعية اللاعبين وانتشارهم في الدوريات الأوروبية الكبرى.
ويقود الجيل الكندي الحالي ألفونسو ديفيز نجم بايرن ميونخ والذي يُعد أحد أسرع اللاعبين في العالم، إضافة إلى المهاجم جوناثان ديفيد والذي سجل معدلات تهديفية مرتفعة في الدوري الفرنسي خلال المواسم الأخيرة مع نادي ليل الفرنسي قبل ان ينتقل لنادي يوفنتوس الإيطالي، وستيفن أوستاكيو لاعب وسط لوس انجلوس، كما تطورت كندا بشكل واضح على مستوى النتائج بعدما تصدرت تصفيات الكونكاكاف المؤهلة لمونديال 2022 متفوقة على المكسيك والولايات المتحدة، وهو ما عكس حجم التحول الذي تعيشه الكرة الكندية. منتخب البوسنة
ورغم أن المنتخب القطري لا يدخل البطولة بنفس الزخم الذي صاحب مشاركته التاريخية في كأس العالم 2022، فإنه ما زال يمتلك عناصر قادرة على صناعة الفارق خاصة على المستوى الآسيوي، فالمنتخب الذي تُوج بكأس آسيا 2019 واحتفظ بلقبه لاحقًا بنى مشروعه على الاستقرار الفني وتطوير جيل كامل عبر أكاديمية أسباير، وهي التجربة التي كثيرًا ما تُطرح كنموذج لتطوير المواهب في آسيا. ويبرز في المنتخب القطري أكرم عفيف أحد أكثر اللاعبين تأثيرًا في القارة الآسيوية خلال السنوات الأخيرة، بعدما لعب دور البطولة في تتويج قطر بكأس آسيا 2023، إضافة إلى المعز علي الهداف التاريخي للمنتخب في البطولات القارية، كما يعتمد المنتخب القطري على الانسجام الكبير بين لاعبيه نتيجة لعب معظمهم داخل الدوري المحلي، وهي نقطة قد تمنحه أفضلية تكتيكية مقارنة ببعض المنتخبات التي تعتمد على تجمعات قصيرة قبل البطولات.
لكن المنتخب الذي قد يحمل صفة “الحصان الأسود” داخل المجموعة يبقى منتخب البوسنة والهرسك، الذي عاد إلى كأس العالم بعد غياب طويل نسبيًا، ورغم أن البوسنة لا تملك سجلًا تاريخيًا كبيرًا في المونديال فإنها تظل مدرسة كروية قادرة على إنتاج لاعبين أصحاب جودة عالية، خصوصًا في الخط الأمامي، ويقود المنتخب حاليًا مجموعة من اللاعبين الناشطين في الدوريات الأوروبية أبرزهم إدين دجيكو أحد أبرز المهاجمين في تاريخ البلقان، إضافة إلى ميراليم بيانيتش الذي يمتلك خبرة كبيرة في الدوريين الإيطالي والإسباني.
ويتميز المنتخب البوسني بطابع هجومي مباشر يعتمد على الكرات العمودية والاستفادة من القوة البدنية، لكنه في المقابل يعاني أحيانًا على مستوى التنظيم الدفاعي وهو ما ظهر خلال تصفيات أوروبا الأخيرة، حيث استقبل معدلات تهديفية مرتفعة مقارنة ببقية منتخبات الصف الأول.
ومن الناحية الإحصائية، تبدو المجموعة الثانية من أكثر المجموعات تقاربًا في المستوى، إذ لا يوجد فارق شاسع في تصنيف FIFA بين منتخباتها مقارنة ببعض المجموعات الأخرى، وهو ما يجعل التفاصيل الصغيرة عاملاً حاسمًا في تحديد المتأهلين، كما تحمل هذه المجموعة تنوعًا واضحًا في المدارس الكروية؛ فسويسرا تمثل الانضباط الأوروبي التقليدي، وكندا تعتمد على السرعة والتحولات، بينما تميل قطر إلى الاستحواذ والبناء القصير، في حين تلعب البوسنة بأسلوب مباشر وأكثر بدنية، وهذا التنوع يجعل التوقعات معقدة خصوصًا أن المنتخبات الأربعة تملك عناصر قادرة على تغيير المباريات بشكل فردي.
وفي ظل غياب منتخب “مرعب” بالمعنى التقليدي داخل المجموعة، تبدو فرص التأهل مفتوحة أمام الجميع بدرجات متفاوتة، فسويسرا تبدو الأقرب بحكم الخبرة والاستقرار، بينما تراهن كندا على أفضلية الأرض، وتحاول قطر إثبات استمرار مشروعها الآسيوي، في حين تأمل البوسنة في استعادة صورتها كمنتخب قادر على إزعاج الكبار،
لهذا قد لا تكون المجموعة الثانية الأكثر صخبًا إعلاميًا في كأس العالم 2026، لكنها تبدو واحدة من أكثر المجموعات التي قد تحمل مفاجآت وتقلبات حتى اللحظات الأخيرة من دور المجموعات.
منتخب قطر
منتخب البوسنة
منتخب سويسرا
المصدر – جريدة الرياض

