لم ينتظر كيليان مبابي طويلًا حتى يطرق باب كأس العالم، ولم يحتج إلى سنوات من المطاردة كي يثبت حضوره في البطولة الأكبر، فقد دخلها شابًا في روسيا 2018، وخرج منها بطلًا عالميًا، ثم عاد في قطر 2022 ليؤكد أن ما حدث لم يكن ومضة عابرة، بل بداية عهد جديد في الكرة الفرنسية.
شارك مبابي في نسختين من كأس العالم حتى الآن؛ روسيا 2018 وقطر 2022، وخاض خلالهما 14 مباراة، سجّل فيها 12 هدفًا، وهو رقم استثنائي للاعب لم يبلغ بعد منتصف مسيرته الدولية. وتبرز قيمة هذا الرقم حين نعلم أنه بات قريبًا من كبار هدافي البطولة عبر التاريخ، وأنه حققه في نسختين فقط، لا عبر مسيرة طويلة ممتدة.
في مونديال 2018، كان مبابي وجهًا شابًا في منتخب فرنسي متكامل، لكنه لم يكتفِ بدور الموهبة الواعدة. سجّل أمام بيرو، ثم قدّم أمام الأرجنتين واحدة من أكثر مبارياته رسوخًا في الذاكرة، حين هزّ الشباك مرتين في فوز فرنسا 4-3، قبل أن يسجّل في النهائي أمام كرواتيا، ليصبح أحد أصغر اللاعبين تسجيلًا في نهائي كأس العالم منذ بيليه. هناك، لم يكن مبابي مجرد لاعب صاعد، بل إعلانًا مبكرًا عن نجم سيحمل فرنسا لسنوات طويلة.
غير أن النسخة التي كشفت حجم مبابي الحقيقي كانت قطر 2022. دخلها حاملًا للقب، وخرج منها وصيفًا، لكنه غادرها أيضًا بوصفه الهداف الأبرز في البطولة، سجّل 8 أهداف، وتوّج بالحذاء الذهبي، وكان صاحب الحضور الأكثر رعبًا في المساحات واللحظات الحاسمة.
وفي النهائي أمام الأرجنتين، كتب واحدة من أعظم performances الفردية في تاريخ كأس العالم، حين سجّل ثلاثية كاملة في مرمى الأرجنتين، قبل أن تخسر فرنسا اللقب بركلات الترجيح.
ذلك النهائي، رغم قسوته على فرنسا، رفع مبابي إلى مرتبة مختلفة. فأن تسجّل أربعة أهداف في نهائيات كأس العالم، هدفًا أمام كرواتيا في 2018 وثلاثة أمام الأرجنتين في 2022، فهذا يعني أن اللاعب لا يحضر في البطولة فقط، بل يحضر في أشد لحظاتها ضغطًا. وتشير فيفا إلى أنه لا يوجد لاعب سجّل أهدافًا في نهائيات كأس العالم أكثر من مبابي.
ومع المنتخب الفرنسي عمومًا، لم يعد مبابي مجرد امتداد لجيل 2018، بل صار مركز المشروع الجديد. تجاوز حاجز الخمسين هدفًا دوليًا مع فرنسا، واقترب من صدارة الهدافين التاريخيين للمنتخب، بعد أن عادل رقم تييري هنري ثم تجاوزه في طريقه لملاحقة أوليفييه جيرو.
ما يميز مبابي أن حكايته مع كأس العالم لم تُبنَ على التعاطف أو الانتظار، بل على الفاعلية المباشرة. سرعته ليست زينة فنية، بل سلاح يغيّر شكل المباراة، وحضوره في منطقة الجزاء لا ينتظر كثيرًا ليترك أثره. لذلك تبدو فرنسا معه مختلفة؛ منتخبًا لا يحتاج إلى الاستحواذ الكامل كي يكون خطيرًا، لأن كرة واحدة خلف الدفاع قد تكفي لتحويل الهدوء إلى عاصفة.
ومع اقتراب كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، يدخل مبابي البطولة بوصفه القائد المنتظر لفرنسا، لا النجم الشاب كما كان في 2018. لقد عرف طعم اللقب، وعرف مرارة خسارة النهائي، وبين التجربتين تكوّنت شخصية لاعب لا يكتفي بالمشاركة في التاريخ، بل يطارده، وإذا كان ميسي قد احتاج سنوات طويلة حتى يكتمل حلمه مع الأرجنتين، فإن مبابي بدأ من القمة، والتحدي أمامه الآن أصعب: أن يثبت أن المجد المبكر لم يكن ذروة، بل بداية لمسيرة قد تجعله أحد أعظم لاعبي كأس العالم على الإطلاق
المصدر – جريدة الرياض

