في فيينا، المدينة التي عاشت طويلًا على إرث الموسيقى والفن والإمبراطورية القديمة، لم تكن كرة القدم دائمًا في صدارة الحلم الأوروبي، خصوصًا مع منتخب نمساوي اعتاد أن يعيش في ظل جيرانه الكبار، بين ألمانيا وإيطاليا وفرنسا، لكن مع دافيد ألابا، بدأت النمسا تشعر أن لديها أخيرًا لاعبًا قادرًا على منحها شخصية مختلفة، لاعبًا لا يكتفي بارتداء القميص، بل يمنح المنتخب حضورًا يشبه الكبار.
ولد ألابا في فيينا لأب نيجيري وأم فلبينية، ونشأ داخل مدينة متعددة الثقافات، حيث تعلّم مبكرًا كيف يحمل أكثر من هوية داخل قلب واحد، وربما لهذا بدا لاعبًا مرنًا منذ البداية، داخل الملعب وخارجه؛ يستطيع اللعب في أكثر من مركز، ويتكيف مع أكثر من أسلوب، ويحمل هدوءًا لا يشبه الضجيج المعتاد للنجوم.
بدأت موهبته بالظهور سريعًا مع بايرن ميونخ، وهناك تشكّلت صورته الحقيقية، لم يكن مجرد ظهير أيسر سريع، بل لاعبًا يفهم اللعبة بصورة أعمق، حتى تحوّل مع الوقت إلى قطعة نادرة تستطيع أن تلعب في الدفاع والوسط وصناعة اللعب بالثقة نفسها، ومع بايرن، عاش كل شيء تقريبًا؛ دوري أبطال أوروبا، والدوري الألماني، والهيمنة المحلية، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى ريال مدريد ويواصل حضوره في أعلى مستويات اللعبة.
لكن صورة ألابا مع النمسا كانت دائمًا أكثر خصوصية، ففي الوقت الذي كانت فيه الأندية تمنحه البطولات والأضواء، كان المنتخب يمنحه المعنى العاطفي، لأنه يعرف أن النمسا ليست بلدًا معتادًا على صناعة النجوم الكبار في كرة القدم الحديثة، وأن وجود لاعب بحجمه منح الجماهير شعورًا بأن بلادهم قادرة على أن تُرى بطريقة مختلفة.
ومع مرور السنوات، تحوّل ألابا إلى قائد المنتخب ووجهه الأوضح، لا لأنه الأكثر صخبًا، بل لأنه الأكثر ثباتًا، كان اللاعب الذي يمنح الفريق اتزانه، والذي يحمل معه خبرة البطولات الكبرى إلى منتخب يحتاج دائمًا إلى من يرفعه فوق حدوده التقليدية.
في يورو 2020، لعب دورًا محوريًا في قيادة النمسا إلى دور الستة عشر، وهو إنجاز أعاد شيئًا من الثقة لجماهير طال انتظارها للحظات أوروبية حقيقية، ورغم الخروج أمام إيطاليا لاحقًا، فإن المنتخب بدا أكثر نضجًا وتنظيمًا، وكان واضحًا أن شخصية ألابا القيادية بدأت تنعكس على الفريق كله.
ما يميز قصته أنه لم يتحول إلى رمز نمساوي رغم اختلاف جذوره، بل بسببها أيضًا، فهو يمثل صورة النمسا الحديثة؛ بلد متعدد الثقافات، يخرج منه لاعب بملامح أفريقية وآسيوية، ثم يصبح قائد المنتخب الوطني ورمزًا رياضيًا للبلاد كلها، ولهذا، اكتسب حضوره معنى يتجاوز كرة القدم نفسها.
فنيًا، ظل ألابا لاعبًا يصعب تصنيفه بدقة. ليس قلب دفاع تقليديًا، ولا ظهيرًا عاديًا، ولا لاعب وسط صرفًا، بل لاعبًا يقرأ المباراة بعقلية شاملة، ويمنح المدرب رفاهية نادرة في تغيير شكل الفريق دون تغيير الأسماء، وهذه النوعية من اللاعبين تصبح أكثر قيمة في البطولات الكبرى، حيث تتحول التفاصيل الصغيرة إلى فارق كامل.
ومع اقتراب كأس العالم 2026، تعيش النمسا واحدة من أكثر مراحلها استقرارًا منذ سنوات، بينما يقف ألابا على أعتاب ما قد يكون آخر فصوله الكبرى مع المنتخب، الإصابات لاحقته مؤخرًا، والوقت يتحرك سريعًا، لكن قيمته داخل الفريق تبدو أكبر من مجرد جاهزية بدنية، لأنه صار بالنسبة إلى الجماهير النمساوية صورة الجيل الذي أعاد المنتخب إلى المنافسة، ومنح فيينا سببًا جديدًا لتؤمن بكرة القدم.
ولهذا، فإن قصة دافيد ألابا ليست حكاية لاعب جمع البطولات الأوروبية فقط، بل حكاية قائد خرج من مدينة متعددة الوجوه، ثم جعل بلدًا كاملًا يشعر أن له مكانًا بين كبار اللعبة، وأن النمسا، ولو للحظة، تستطيع أن تخرج من الظل وتمشي تحت الضوء بثقة كاملة.
المصدر – جريدة الرياض

