أطلقت هيئة الصحة العامة (وقاية) حملة بعنوان «صحتك اختيارك»، وهي ثمرة عمل تكاملي جمع وزارات الصحة، والتعليم، والبيئة والمياه والزراعة، والإعلام، إلى جانب الهيئة العامة للغذاء والدواء ومركز التواصل الحكومي؛ بهدف رفع الوعي الغذائي لدى أفراد المجتمع وتمكينهم من اتخاذ خيارات أكثر وعياً وتوازناً، بما يدعم الصحة الوقائية ويسهم في تحسين جودة الحياة.
وتنقل الحملة الخطاب الصحي من نطاق النصائح العامة إلى ممارسات واضحة يمكن تطبيقها في الحياة اليومية، وفي مقدمتها الاعتدال في استهلاك السكر، والانتباه إلى مصادر السكريات المضافة في الأغذية والمشروبات، وقراءة البطاقة الغذائية، والمقارنة بين المنتجات قبل شرائها.
ولا تقوم رسالة «صحتك اختيارك» على الحرمان أو التغيير المفاجئ، بل على المعرفة والتدرج والاستمرار؛ فالخطوات الصغيرة، حين تتكرر، تتحول إلى عادات، والعادات الصحية المستدامة تصنع مجتمعاً أكثر صحة وقدرة على الوقاية من عوامل الخطورة المرتبطة بالتغذية.
وانطلاقاً من هذا المفهوم، تبدأ الصحة من تفاصيل قد تبدو صغيرة مثل: مشروب نختاره، وكمية سكر نضيفها، ومنتج نضعه في عربة التسوق، وبطاقة غذائية نقرأها أو نتجاوزها.
ومع تكرار هذه التفاصيل يوماً بعد آخر، تتشكل العادات التي تؤثر في صحة الإنسان وجودة حياته ومستقبله.
“الوعي أولاً”
ويعكس إطلاق الحملة تحولاً متنامياً في مفهوم الرعاية الصحية بالمملكة؛ إذ لم تعد المنظومة تركز على علاج المرض بعد وقوعه فقط، بل تتجه بصورة أوسع إلى تعزيز الوقاية وتمكين الفرد من حماية صحته قبل ظهور عوامل الخطورة.
والوعي الغذائي هو الخطوة الأولى في هذا المسار، لأن الإنسان لا يستطيع تعديل اختياراته ما لم يعرف أثرها، ويدرك الفرق بين الاحتياج الغذائي والاستهلاك المفرط، ويمتلك الأدوات التي تساعده على اتخاذ القرار المناسب.
ومن هنا تركز “صحتك اختيارك” على جعل المعلومة الصحية مبسطة وقابلة للتطبيق، بدل أن تبقى حبيسة المصطلحات الطبية أو المنشورات المتخصصة. فالهدف ليس أن يصبح كل فرد خبيراً في التغذية، وإنما أن يمتلك قدراً كافياً من المعرفة يساعده على التمييز بين الخيارات المتاحة.
ويكتسب هذا التوجه أهميته في ظل ارتباط عدد من الأمراض المزمنة بأنماط الحياة، مع التأكيد أن الغذاء يمثل عاملاً واحداً ضمن منظومة متكاملة تشمل النشاط البدني والنوم الصحي والفحوص الدورية والامتناع عن التدخين والالتزام بالتوجيهات الطبية.
ووفق نشرة إحصاءات الحالة الصحية لعام 2024م الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء، جاء السكري في مقدمة الأمراض المزمنة المبلغ عنها ذاتياً بين البالغين بنسبة 9.1%، يليه ارتفاع ضغط الدم بنسبة 7.9%.
وتوضح هذه المؤشرات أهمية توسيع برامج الوقاية، وتعزيز قدرة المجتمع على اتخاذ قرارات صحية مبكرة.
ولا يعني ذلك تحميل الفرد وحده مسؤولية المرض أو الوقاية منه؛ فالسلوك الصحي يتأثر بالأسرة والمدرسة ومكان العمل والأسواق والإعلانات وتوافر البدائل. ولذلك جاءت الحملة نتيجة تكامل بين جهات متعددة، بما يعكس أن بناء الصحة العامة مسؤولية مشتركة لا تتحقق برسالة منفردة أو جهة واحدة.
“السكر الخفي”
ويأتي السكر في مقدمة الموضوعات التي تركز عليها الحملة؛ لأنه يدخل في كثير من الأغذية والمشروبات بصور قد لا ينتبه إليها المستهلك.
فالأمر لا يقتصر على الحلوى أو السكر الذي يضاف إلى الشاي والقهوة، بل يمتد إلى المشروبات المحلاة وبعض المخبوزات والحبوب والصلصات والمنتجات المصنعة.
وحين يستهلك الإنسان السكر من مصادر متعددة خلال اليوم، قد تتجاوز الكمية الإجمالية ما يتوقعه، حتى وإن بدا استهلاكه لكل منتج على حدة محدودة.
ولذلك تبدأ المواجهة الحقيقية بمعرفة مصادر السكر، والانتباه إلى الكمية الموجودة في الحصة الغذائية، وعدم الاكتفاء بالنظر إلى شكل المنتج أو عباراته التسويقية.
ومن المهم التمييز بين السكريات الموجودة طبيعيّاً في بعض الأغذية، مثل الفاكهة والحليب، وبين السكريات المضافة أثناء التصنيع أو التحضير.
كما تستخدم منظمة الصحة العالمية مصطلح “السكريات الحرة” ليشمل السكريات المضافة، إضافة إلى الموجودة طبيعيّاً في العسل والشراب وعصائر الفاكهة ومركزاتها.
وتوصي منظمة الصحة العالمية بأن يقل استهلاك السكريات الحرة لدى البالغين والأطفال عن 10% من مجموع الطاقة اليومية، وتشير إلى أن خفضها إلى أقل من 5% قد يحقق فوائد صحية إضافية.
وتعادل نسبة 10% نحو 50 غراماً لمن يتبع نظاماً غذائياً يحتوي على ألفي سعرة حرارية يومياً.
لكن رسالة الحملة لا تقوم على مطالبة الناس بالتخلي عن كل ما يحبونه، بل تؤكد أن تقليل السكر يمكن أن يتم تدريجياً؛ كخفض الكمية المضافة إلى المشروبات، واختيار عبوات أصغر، وتقليل تكرار تناول المنتجات العالية بالسكر، والبحث عن بدائل أكثر توازناً.
ومع تكرار الاختيارات الأفضل، تتكيف حاسة التذوق وتتغير العادة، ليصبح الاعتدال جزءاً طبيعيّاً من نمط الحياة، لا قراراً مؤقتاً ينتهي بعد أيام.
“بطاقة قرار”
وتمثل البطاقة الغذائية إحدى أهم الأدوات التي تركز عليها حملة “صحتك اختيارك”؛ فهي تكشف للمستهلك محتوى المنتج، وتساعده على المقارنة بين الخيارات بدل الاعتماد على شكل العبوة أو العبارات الدعائية.
وتبدأ القراءة الصحيحة بمعرفة حجم الحصة وعدد الحصص الموجودة في العبوة؛ فقد تكون السعرات والسكريات المكتوبة محسوبة على حصة واحدة، بينما تحتوي العبوة على حصتين أو أكثر.
وإذا تناول المستهلك العبوة كاملة، فإنه يحصل على مجموع ما تحتويه جميع الحصص.
وبعد تحديد حجم الحصة، يمكن النظر إلى السعرات الحرارية والسكريات الكلية والسكر المضاف والصوديوم والدهون المشبعة والألياف وغيرها من العناصر، وفق الاحتياجات الصحية لكل فرد.
ويوضح دليل البطاقة التغذوية الصادر عن الهيئة العامة للغذاء والدواء أن نسبة الاحتياج اليومي تساعد على معرفة ما إذا كان محتوى المنتج من أحد العناصر منخفضاً أو مرتفعاً؛ إذ تُعد نسبة 5% أو أقل منخفضة، بينما تُعد نسبة 20% أو أكثر مرتفعة.
وتمنح هذه القاعدة المستهلك وسيلة سريعة للمقارنة؛ فإذا كان أمامه منتجان متشابهان، يستطيع النظر إلى حجم الحصة وكمية السكر المضاف ونسبة الاحتياج اليومي، ثم اختيار الأنسب لاحتياجاته.
وهكذا تتحول البطاقة من بيانات صغيرة مطبوعة خلف العبوة إلى أداة لاتخاذ القرار.
غير أن تحقيق ذلك يتطلب نشر ثقافة القراءة الغذائية بأساليب مبسطة، وعرض أمثلة عملية توضح للمستهلك كيف يقرأ البطاقة خلال وقت قصير.
وتستطيع الحملة، بالتعاون مع هيئة الغذاء والدواء ووسائل الإعلام والمدارس والمتاجر، جعل قراءة البطاقة ممارسة مألوفة، مثل التحقق من السعر أو تاريخ الصلاحية.
“الأسرة أمان”
وتستهدف حملة “صحتك اختيارك” مختلف فئات المجتمع، مع تركيز واضح على الأسرة وخصوصاً الأطفال؛ لأن كثيراً من العادات الغذائية يبدأ داخل المنزل وفي السنوات الأولى من العمر.
فالطفل يتعلم من الطعام الذي تقدمه الأسرة، وما يراه على المائدة، وما يوضع في حقيبته المدرسية، وما يشاهده من اختيارات والديه. وإذا اعتاد منذ الصغر تناول المشروبات المحلاة بكثرة، أو ربط المكافأة دائماً بالحلوى، فقد تستمر هذه الممارسات معه سنوات طويلة.
وفي المقابل، يمكن للأسرة بناء عادات أكثر توازناً من خلال توفير الماء، وتقديم الفواكه والخضراوات بصورة محببة، وتقليل وجود المنتجات العالية بالسكر في المنزل، وإشراك الأبناء في قراءة البطاقات والمقارنة بين المنتجات.
وتنصح وزارة الصحة بقراءة الملصقات لمعرفة مقدار السكريات المضافة، والحد منها لدى الأطفال من عمر عامين فأكثر، وتجنب تقديم السكريات المضافة لمن هم دون العامين، مع تفضيل الماء أو الحليب على المشروبات المحلاة بما يتناسب مع عمر الطفل واحتياجاته.
ولا ينبغي أن تتحول التوعية إلى تخويف من الطعام أو فرض قاسٍ للحرمان؛ لأن الهدف هو بناء علاقة متوازنة مع الغذاء.
والتغيير الأكثر قابلية للاستمرار هو الذي تشارك فيه الأسرة، ويجمع بين المعرفة والقدوة وتوفير البدائل.
كما تمثل المدرسة امتداداً مهماً لدور الأسرة، من خلال المقصف المدرسي والأنشطة والمناهج والمبادرات التوعوية.
وتأتي مشاركة وزارة التعليم في الحملة لتفتح المجال أمام نقل رسائلها إلى الطلاب، وتعليمهم مهارات عملية، من بينها قراءة البطاقة الغذائية وفهم أثر الاختيارات اليومية.
“توعية بالتوازي”
وتؤكد الحملة أن العادات الصحية لا تتشكل بالوعي وحده؛ فحتى الفرد الذي يعرف الخيار الأفضل قد يجد صعوبة في الالتزام به إذا لم تتوافر أمامه بدائل متنوعة ومناسبة، أو إذا كانت البيئة المحيطة تدفعه باستمرار نحو خيارات أقل توازناً.
ومن هنا لا بد أن تسير التوعية بالتوازي مع تحسين البيئة الغذائية، وتوضيح المعلومات على المنتجات، وتوفير بدائل مناسبة في المدارس وأماكن العمل والمرافق العامة، وتشجيع المنشآت الغذائية على تطوير منتجات أقل في السكر المضاف.
ويعكس تعدد الجهات المشاركة في الحملة هذا المفهوم؛ فوزارة الصحة وهيئة الصحة العامة تؤديان دوراً في الوقاية والتوعية، وتضطلع هيئة الغذاء والدواء بدور تنظيمي وتثقيفي يتعلق بالمنتجات والبطاقات الغذائية، بينما تمتلك وزارة التعليم القدرة على الوصول إلى الطلاب والأسر، وتسهم وزارتا الإعلام والبيئة والمياه والزراعة ومركز التواصل الحكومي في توسيع نطاق الرسالة وربطها بالإنتاج الغذائي والمحتوى الإعلامي والسلوك المجتمعي.
ويتوافق هذا المسار مع مستهدفات برنامج تحول القطاع الصحي، أحد برامج تحقيق رؤية المملكة 2030م، الذي يعمل على تعزيز الصحة العامة والوقاية وتحسين جودة الخدمات والحياة.
ولكي تحقق “صحتك اختيارك” أثراً طويل المدى، يمكن قياس نتائجها من خلال تطور معرفة المستهلك بالسكر المضاف، وانتشار قراءة البطاقات الغذائية، وتغير أنماط شراء المشروبات والأغذية، ومدى وصول رسائل الحملة إلى الأسر والأطفال والمدارس.
فنجاح الحملات الصحية لا يُقاس بعدد المواد المنشورة والمشاهدات وحدها، وإنما بما تحدثه من تغيير ملموس في المعرفة والسلوك والبيئة المحيطة.
“صحة الغد”
وتختصر حملة “صحتك اختيارك” فلسفة صحية واسعة في عبارتين واضحتين: أن للإنسان دوراً في حماية صحته، وأن القرارات اليومية الصغيرة تمتد نتائجها إلى المستقبل.
وقد يبدأ التغيير بقراءة بطاقة كانت مهملة، أو اختيار منتج أقل سكراً، أو تقليل الكمية، أو شرب الماء بدل أحد المشروبات المحلاة.
وقد تبدو كل خطوة محدودة بمفردها، لكنها تصبح مؤثرة حين تتكرر وتتحول إلى عادة تشارك فيها الأسرة.
وإن الوقاية لا تبدأ عند ظهور المرض، وإنما قبل ذلك بسنوات، حين تتشكل اختيارات الإنسان وعلاقته بالغذاء.
وبين الوعي والممارسة تتحدد قدرة المجتمع على الحد من عوامل الخطورة وبناء حياة أكثر صحة وجودة.
وفي ذلك تكمن الرسالة الأهم للحملة، فما نختاره اليوم لا ينتهي أثره بانتهاء الوجبة؛ بل يسهم في تشكيل صحتنا غداً.. ولذلك فإن “صحتك اختيارك”.
وتتضاعف أهمية هذا النهج الوقائي لدى كبار السن، إذ تصبح المحافظة على الاستقلالية والقدرة على الحركة وجودة الحياة هدفاً صحياً لا يقل أهمية عن علاج المرض نفسه.
وتضع وزارة الصحة الأمراض المزمنة، وفي مقدمتها السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب، إلى جانب السقوط والكسور وسوء التغذية، ضمن أبرز التحديات الصحية المرتبطة بالتقدم في العمر، مؤكدة أهمية الفحوصات الدورية وضبط الأمراض المزمنة والنشاط البدني الملائم. وتكشف بيانات المسح الوطني للمعلومات الصحية المنشورة من الوزارة عن دلالة لافتة؛ إذ تزداد أهمية الوقاية مع التقدم في العمر، وتُشير أحدث بيانات الهيئة العامة للإحصاء في نشرة (إحصاءات كبار السن 2025م) إلى أن عدد من تبلغ أعمارهم 60 عاماً فأكثر في المملكة وصل إلى نحو 1.7 مليون شخص، يمثلون 4.8% من إجمالي السكان، فيما يمارس 33% من كبار السن السعوديين النشاط البدني بانتظام. وتكشف هذه المؤشرات أهمية توسيع مفهوم الوقاية ليشمل الحركة المستمرة، والفحوصات الدورية، والمتابعة المبكرة لعوامل الخطورة، إلى جانب الغذاء المتوازن، بما يعزز قدرة كبار السن على المحافظة على صحتهم واستقلاليتهم وجودة حياتهم.
وقد بلغ انتشار السكري في المسح لدى الفئة العمرية 65 عاماً فأكثر 50.4%، ما يبرز أهمية تكثيف الوقاية والمتابعة لهذه الفئة، مع الإشارة إلى أن هذه النسبة تعود إلى المسح المنشور عام 2014م وليست تقديرًا حديثاً للانتشار الحالي.
كما تشمل الوقاية التحصين من الأمراض الموسمية؛ فقد أوصت الوزارة كبار السن باللقاح السنوي للإنفلونزا، وأظهرت إحصاءات موسم سابق أن 96% من المنومين في العناية المركزة بسبب الإنفلونزا لم يتلقوا اللقاح.
وهكذا تتسع رسالة “صحتك اختيارك” لتشمل غذاءً واعياً، وفحصاً مبكراً، وحركةً آمنة، وتحصيناً منتظماً يضيف إلى سنوات العمر صحةً واستقلالاً.
المصدر: جريدة الرياض

