ثمة طرح يتردد كثيرًا حول غموض النص الأكاديمي؛ حيث يتعمّد الكاتب التعقيد، فيُفضي ذلك إلى أن تحجب اللغة الفكرة عوضًا عن كشفها. وقد يبدو هذا الحكم للوهلة الأولى دفاعًا بديهًا عن الوضوح الذي هو فضيلة لا يجادل أحد في قيمتها، غير أن المسألة تُصبح أكثر تعقيدًا حين نتساءل: ما الذي نعنيه على وجه الدقة حينما نصف نصًا بأنه «غامض»؟ ذاك أنّ ما نصفه بالغموض ليس دائمًا خاصية كامنة في النص، بل قد يكون أثرًا ناشئًا عن المسافة بين لغة الخطاب وكفاية القارئ.
فاللغة ليست مستوى واحدًا مشتركًا بين الناس جميعًا، وإنما تتعدّد مستوياتها بتعدد مجالات المعرفة واستعمالاتها. ولئن كانت اللغة العامة تُتيح قدرًا واسعًا من التواصل بين أفراد المجتمع، فإنّ لكلِّ حقل معرفي لغته الخاصة التي تتكون من شبكة من المفاهيم والمصطلحات والعلاقات الدلالية التي اكتسبت معانيها داخل ذلك الحقل. ومن هنا فإنّ الولوج إلى خطاب متخصص لا يكون بمجرد معرفة مفرداته في المعجم، وإنّما بامتلاك الكفاية التي تسمح بفهم الطريقة التي تعمل بها هذه المفردات داخل نظام معرفي مخصوص.
إنّ أول ما ينبغي التنبه إليه أنّ الغموض ليس دائمًا صفة خالصة في النص كما أنّ الوضوح ليس قيمة مطلقة مستقلة عن القارئ. فما يكون واضحًا لمتخصص قد يبدو شديد الاستغلاق على غيره، وما يُقرأ بسهولة داخل جماعة علمية قد يحتاج خارجها إلى شروح وهوامش ومقدمات طويلة. ومن هنا فإنّ الحكم على النص بالغموض لا يُمكن فصله عن سؤال سابق عليه: «مَن هو القارئ الذي لم يفهم؟ وما مقدار الكفاية التي يمتلكها لفهم هذا الخطاب؟»
إنّ هذه المسألة ليست دفاعًا عن الكتابة الأكاديمية، ولا محاولة لمنح الأكاديمي حصانة من النقد، وإنّما هي تمييز ضروري بين أشياء يجري الخلط بينها تتمثل في صعوبة المعرفة، وخصوصية اللغة من ناحية، واعتلال الأسلوب من ناحية أخرى.
فالعلوم لا تستخدم اللغة بالطريقة نفسها التي تُستخدم بها في الحياة اليومية، فلكلّ حقل معرفي تراكماته المعرفيّة الداخليّة، وجهازه المفاهيمي ومصطلحاته وعلاقاته الدلالية الخاصة. والمصطلح العلمي لا يكون مجرّد كلمة صعبة يُمكن استبدالها دائمًا بكلمة أسهل، بل قد يكون مستودعًا لتاريخ كامل من التصورات والنظريات والخلافات.
وحين يستخدم الأكاديمي مصطلحات حقله فإنه لا يستخدم كلمات معقدة طلبًا للغموض، وإنما يُحيل إلى مفاهيم محددة داخل نظام معرفي. وتبسيط هذه المفاهيم ممكن حين يكون المقام مقام تعليم أو تقريب، لكنّه لا يعني أن الخطاب العلمي المتخصّص ملزم في كلّ موضع بأن يتخلّى عن لغته الخاصة حتى يُصبح مفهومًا لمن لم يدخل إلى ذلك الحقل.
وعليه فإنّ لكل معرفة عتبتها؛ إذ لا يمكن اختزال هذه العتبة في قدرة القارئ على معرفة معاني الكلمات منفردة؛ لأن فهم الخطاب المتخصص يحتاج إلى كفاية لغوية ومعرفية وخطابية تُمكّن القارئ من إدراك ما تعنيه المفاهيم داخل سياقها، وكيف ترتبط بعضها ببعض، وما الذي تستدعيه من معرفة سابقة.
ولهذا فإن عبارة «لم أفهم النص» لا تساوي منطقيًا عبارة «النص غامض».
فالأولى تصف واقعة تتعلّق بتجربة القارئ، أمّا الثانية فتُطلق حكمًا على النص ذاته. والانتقال من الأولى إلى الثانية يحتاج إلى دليل يُثبت أن تعثّر الفهم ناشئ عن خلل في بناء الخطاب، لا من نقص في الكفاية اللازمة لقراءته.
ولو جعلنا الفهم الفوري معيارًا للوضوح لاضطررنا إلى وصف كثير من النصوص العلمية بالغموض. فالمعادلة الرياضية التي لا يفهمها غير المتخصص ليست غامضة لهذا السبب، والنص القانوني الذي يحتاج إلى معرفة اصطلاحية ليس بالضرورة نصًا معتلاً، أضف إلى ذلك أنّ الكتابة الفلسفية التي تفترض معرفة بتاريخ المفهوم لا تصبح رديئة لمجرد أن قارئًا خارج هذا التاريخ لم يتمكن من النفاذ إليها.
فالمشكلة إذن تبدأ حين نخلط بين اللغة الخاصة واللغة الغامضة.
ومن ثم فإن اللغة الأكاديمية ليست هي مجرد اللغة العامة وقد أضيفت إليها بعض الكلمات الصعبة، وإنما هي في كثير من الأحيان لغة خاصة داخل اللغة. والمصطلح فيها لا يؤدي وظيفة التزيين أو التعقيد، بل وظيفة الاختزال والدقة؛ فكلمة واحدة قد تختصر بناءً نظريًا يحتاج شرحه إلى صفحات. ومطالبة الباحث بالتخلي عن هذه اللغة بدعوى الوضوح تشبه في بعض وجوهها مطالبة العلم بالتخلي عن أدواته المفهومية حتى يصبح متاحًا للجميع. وهنا قد يتحوّل الدفاع عن الوضوح من حيث لا نشعر إلى دعوة إلى الخلل.
لكنّ الاعتراف باللغة الخاصة للعلوم لا ينبغي أن يُصبح ذريعة تحمي كلَّ كتابة أكاديمية من النقد. فكما أنّه من الخطأ الحكم على النص بالغموض لمجرد أننا لم نفهمه، فمن الخطأ كذلك أن نمنح كلَّ نص مستغلق حصانة أكاديمية، ونفترض أن عجزنا عن فهمه دليل على عمقه.
وهنا ينبغي نقل النقاش من «الغموض» إلى مسألة أكثر قابلية للفحص تتمثّل في سلامة الأسلوب.
فالأسلوب يُمكن الحكم عليه، ويُمكن الكشف عن صحته واعتلاله بمعايير لغوية وخطابية قابلة للنقاش؛ إذ يُمكن أن نسأل: هل التركيب سليم؟ وهل الإحالات واضحة؟ وهل العلاقات بين الجمل والفقرات متماسكة؟ وهل ينتقل الكاتب من مقدمة إلى نتيجة وفق مسار يمكن تتبعه؟ وهل يُستخدم المصطلح استخدامًا منضبطًا؟ وهل يُحافظ على معناه داخل النص؟ وهل يوجد لكلّ تعقيد لغوي مقتضى دلالي أو معرفي؟
فقد يكون النص صعبًا، لكنّه محكم. وقد يكون سهلًا، غير أنّه مضطرب. وقد يكون شديد التخصص، لكنه بالغ الدقة. وفي المقابل قد يكون النص محشوًا بالمصطلحات ومضطرب التركيب ومتهافت العلاقات، بحيث لا يستطيع حتى المتخصص إعادة بناء حجّته بوضوح. وهنا يُصبح الحديث عن اعتلال الأسلوب مشروعًا.
فإذا اجتمع المتخصصون في حقلٍ ما (وأعني هنا نخبة النخبة في الحقل) على أنهم لا يستطيعون تحديد المقصود، فإننا نقترب من مشكلة حقيقية في الخطاب. أمّا إذا كان أهل التخصص يفهمون النص ويختلفون في نقده وتأويله بينما يستغلق على من لا يمتلك أدوات الحقل، فإنّ وصفه بالغموض يصبح حكمًا يحتاج إلى مراجعة.
ومن هنا فإن القول بأن اللغة الغامضة قد «تحصّن» النص من النقد يحتاج هو الآخر إلى شيء من الاحتراز. فالنص المتخصص لا يتحصّن لمجرد أن صاحبه يقول لمعارضه: «أنت لم تفهم». فقد تكون هذه العبارة أحيانًا مراوغة للهروب من النقد، لكنّها قد تكون أحيانًا أخرى وصفًا صحيحًا لمشكلة في القراءة.
فليس كلُّ من اعترض قد فهم، كما أنَّه ليس كلُّ من لم يفهم عاجزًا عن الاعتراض.
ولعلّ المعيار الفاصل يكمن في إمكان إعادة بناء المعنى والحجة داخل شروط الخطاب نفسه. فالناقد لا يُطالَب بأن يقبل النص، لكنه مطالبٌ قبل نقده بأن يفهم اللغة التي يتحدَّث بها النص، وأن يُحيط بالمفاهيم التي يستخدمها، ثم يكون له من بعد ذلك هدم الحجة من أساسها.
ولهذا فإنّ النقد الحقيقي لا يبدأ بإجبار النص على مغادرة لغته الخاصة، بل بالولوج إليه من داخلها.
وأمّا مطالبة كلِّ معرفة بأن تُكتب بلغة الحياة اليومية حتى تُصبح قابلة للنقد، فقد تنتهي من حيث لا نريد إلى إفقار المعرفة نفسها. فالدقة لها ثمنها اللغوي، والمفهوم المركّب لا يُمكن دائمًا اختزاله دون خسارة إدراكية، حيث إنّ المصطلحات لم تنشأ عبثًا، وإنما نشأت لأنَّ اللغة العامة لم تعد كافية لأداء ما تحتاج المعرفة إلى قوله.
ومع ذلك، فإنّ هذه الحقيقة لا تُعفي الكاتب من مسؤوليته.. فعلى الكاتب أن يُميز بين ما تفرضه الفكرة وما يفرضه أسلوبه الشخصي، وبين المصطلح الذي لا غنى عنه والمصطلح الذي يُمكن الاستغناء عنه، وبين التركيب الذي يحتاجه المعنى والتركيب الذي لا يؤدي إلا إلى الاستعراض اللغوي. ومن حق النقد أن يكشف ذلك كلَّه، لكن في مواضعه الصحيحة، لا أن يوضع كلُّ ما استعصى على الفهم في سلة واحدة تُسمى «الغموض».
إنّ الوضوح بهذا المعنى ليس أن يفهم الجميع كلَّ شيء، بل أن يجد المؤهل طريقًا منضبطًا إلى معناه.
وإذا لم يكن العمق مبررًا للركاكة، فإنّ السهولة هي الأخرى ليست برهانًا على الجودة. وبينهما تقف اللغة الخاصة والكفاية المعرفيّة بوصفهما ضرورة معرفية وشرطًا للقراءة.
لذلك ربما كان علينا قبل أن نسأل الكاتب: لماذا لم تجعل نصك أكثر وضوحًا؟ أن نسأل القارئ أيضًا: هل امتلكت أدوات الولوج إليه؟
عندئذ فقط يمكن أن يكون الحكم أكثر عدلًا؛ لأننا نكون قد فصلنا بين ما استعصى بسبب عمق المعرفة، وما استعصى بسبب خصوصية اللغة.
وتلك بظني حدود لا غنى عنها قبل أن نطلق على الكتابة الأكاديمية تهمة الغموض.
المصدر – جريدة الرياض

