في كل إخفاق للمنتخب السعودي يتكرر المشهد نفسه؛ البحث عن متهم جديد، مرة المدرب، ومرة الإداريون، وأخرى اللاعبون، بينما يتم تجاهل أصل المشكلة: الخلل ليس في الأشخاص، بل في المنظومة.
الأزمات لا تُعالج بردود الأفعال أو بتغيير الأسماء، بل بإطلاق مشروع وطني طويل المدى يقوم على التخطيط المؤسسي، والاستثمار في الفئات السنية، وصناعة اللاعب السعودي وفق برامج علمية متكاملة فنيًا وبدنيًا وذهنيًا، برؤية تمتد لسنوات لا لموسم أو بطولة.
وتجربة المنتخب المغربي خير دليل؛ فما حققه لم يكن صدفة، بل ثمرة مشروع بدأ منذ سنوات، اعتمد على الاستقرار، وتطوير البنية التحتية، والاهتمام بالفئات السنية، حتى أصبحت النتائج انعكاسًا طبيعيًا لعمل مؤسسي مستدام.
وفي المقابل، يختزل البعض أسباب التراجع في زيادة عدد اللاعبين الأجانب، بينما الواقع يثبت أن المشكلة أعمق، فلو كان اللاعب الأجنبي هو السبب، لما ارتفعت أسعار اللاعب المحلي، ولما استمرت الأندية في تدوير الأسماء نفسها وسط ندرة المواهب القادرة على فرض نفسها.
كما أن تعثر بعض اللاعبين في تجارب الاحتراف الخارجية، أو نجاح آخرين بعد انتقالهم بين الأندية، يؤكد أن القضية ليست في مكان اللاعب، بل في جودة الإعداد والتأهيل. ويزيد من ذلك التعصب الإعلامي والجماهيري الذي يفرض ضغوطًا نفسية على لاعبي المنتخب، في ظل غياب الردع الكافي.
والحقيقة أن تقليص عدد اللاعبين الأجانب، دون تطوير حقيقي للاعب السعودي، قد ينعكس سلبًا على المستوى الفني للدوري. فالمشكلة ليست في وجود اللاعب الأجنبي، بل في ضعف مخرجات صناعة اللاعب المحلي.
كما أن كرة القدم الحديثة لم تعد تعتمد على الموهبة وحدها، بل على القوة البدنية، والسرعة، والانضباط التكتيكي، والجاهزية الذهنية. وهنا تظهر إحدى أبرز نقاط الضعف؛ إذ يتراجع أداء كثير من اللاعبين السعوديين في الدقائق الأخيرة، وهو مؤشر على قصور في الإعداد، لا في الموهبة.
الكرة السعودية لا تحتاج إلى متهم جديد بعد كل إخفاق، بل إلى مشروع وطني واضح يصنع المواهب، ويبني الكفاءات، ويؤسس لمنظومة تعمل بعقلية التخطيط والاستدامة. فالمنتخبات الكبرى لا تُبنى بالقرارات الانفعالية، وإنما بسنوات من العمل المتراكم.
لقد آن الأوان للانتقال من ثقافة البحث عن المذنب إلى ثقافة بناء الحلول، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل.
فالمنتخبات العظيمة ليست نتاج جيل استثنائي، بل ثمرة مشروع وطني استثنائي.
صالح القبلان
المصدر – جريدة الرياض

