استيقظ عشاق الكرة القطرية فجر الجمعة على صدمة ثقيلة، تلقى المنتخب القطري هزيمة قاسية أمام كندا بنتيجة 6-0 في الجولة الثانية من المجموعة الثانية بكأس العالم 2026، وبينما احتفلت كندا بأول انتصار في تاريخها المونديالي، عاشت قطر واحدة من أصعب لياليها الكروية، في مباراة انتهت بتسعة لاعبين فقط بعد حالتي طرد زادتا من حجم المعاناة.
لكن النتيجة، رغم قسوتها، ليست أكثر ما يستحق التوقف عنده، اللافت حقاً هو التحول السريع في ردود الفعل، قبل أيام فقط، وبعد التعادل المثير أمام سويسرا، كانت أجواء التفاؤل تسيطر على المشهد، أُشيد بروح الفريق والتزام اللاعبين، واعتُبر المدرب جولين لوبيتيغي قادراً على إدارة المجموعة بذكاء، ثم جاءت الخسارة أمام كندا لتقلب الصورة رأساً على عقب، وتفتح الباب أمام موجة انتقادات حادة ودعوات لتغييرات جذرية.
هذا التبدل السريع يعكس طبيعة عاطفية تحكم كثيراً من النقاشات الرياضية؛ فالأحكام غالباً ما تتبع النتيجة النهائية أكثر مما تستند إلى قراءة موضوعية للأداء، أما النقد الحقيقي فيبدأ من فهم الأسباب البنيوية التي أدت إلى هذا الانهيار.
في الواقع، لم تبدأ مشكلات قطر مع بطاقتي الطرد، الشوط الأول كشف عن اختلالات أعمق، إذ استقبل الفريق ثلاثة أهداف وهو لا يزال مكتملاً عددياً، غاب الحماس الجماعي، وتراجعت الرغبة في الضغط العالي واستعادة الكرة بسرعة، بدا اللاعبون متأخرين في رد الفعل، ضعيفي التركيز أمام منتخب كندي لعب بشراسة كبيرة، مدفوعاً بحلم تاريخي وجماهير متحمسة.
في مثل هذه المباريات، لا يصنع الفارق الجانب الفني وحده، بل القدرة على التعامل مع الضغط النفسي والحفاظ على التماسك، ولو نجح المنتخب في إنهاء الشوط الأول بالتعادل السلبي، أو حتى بتأخر محدود، لربما سارت المباراة في اتجاه مختلف تماماً، فالأهداف المبكرة تولد الإحباط، والإحباط يفتح الباب أمام التسرع والأخطاء الفردية.
وتجسد حالة همام الأمين هذا الجانب بوضوح، ففي المباراة الأولى، كان أحد أبطال التعادل أمام سويسرا بعدما صنع هدفاً ثميناً في اللحظات الأخيرة. أما أمام كندا، فقد انتهى مشواره ببطاقة حمراء ساهمت في تعقيد موقف فريقه، هذا التناقض لا يختصر مستوى اللاعب بقدر ما يبرز تأثير الحالة الذهنية على القرارات تحت الضغط.
ومن هنا، يبرز جوهر النقد العقلاني، الطموح القطري في تطوير كرة القدم، المبني على استثمارات كبيرة وتخطيط طويل الأمد، مشروع يستحق الاحترام، لكن النجاح في كأس العالم يتطلب أكثر من ذلك: بناء عقلية تنافسية صلبة، و«جوع» جماعي لا ينطفئ بأول انتكاسة.
ما حدث أمام كندا كشف عن هشاشة ذهنية أكثر مما كشف عن ضعف فني، والطردان لم يكونا السبب الرئيس بقدر ما كانا نتيجة لتراجع التركيز الذي بدأ مبكراً. لذلك، الحل لا يكمن في ردود الفعل المتسرعة، بل في معالجة الجوانب النفسية والتحفيزية التي تظهر بوضوح في المباريات الكبرى.
في النهاية، لا تعني الهزيمة نهاية المشوار، ما زالت أمام قطر مباراة أخيرة أمام البوسنة، قد تحمل فرصة التأهل إلى دور الـ32، والأهم أنها تمثل فرصة لمراجعة هادئة وعقلانية، المشاريع الكبرى لا تُقاس بمباراة واحدة، والإخفاقات القاسية يجب ألا تحجب الصورة الكاملة.
الكرة القطرية تمتلك قاعدة قوية وطموحاً مشروعاً، الخطوة التالية هي ترسيخ ثقافة تنافسية أكثر صلابة وحضور ذهني أكثر ثباتاً، عندها ستضيق الفجوة بين الطموحات الكبيرة والأداء على أرض الملعب فقط، ويصبح النقد أداة تطوير حقيقية لا مجرد رد فعل عاطفي.
عيسى المسمار
عيسى المسمار – حائل
المصدر – جريدة الرياض

