في قلب وادي النميري، غرب بلدة غسلة بمحافظة شقراء، يقف مسجد النميري الأثري شاهدًا على جانب من تاريخ المكان وما شهدته المنطقة من استقرار بشري ونشاط زراعي، إذ تحيط به آبار قديمة ونخيل وآثار مساكن ومزارع، فيما لا يزال تاريخ تشييده واسم بانيه غير محددين على وجه الدقة.
ويقع المسجد على مسافة تقارب ستة كيلومترات من وسط بلدة غسلة، في الوادي المتصل بوادي العنبري، وقد شُيد بالحجارة، وسُقف من الداخل بخشب الأثل، محافظًا على طابعه المعماري البسيط الذي يعكس أساليب البناء التقليدية في المنطقة.
ويبلغ طول هذ المسجد من الشمال إلى الجنوب نحو 10 أمتار و30 سم، وعرضه 3 أمتار و70 سم، فيما يصل ارتفاع سقفه عن الأرض إلى نحو متر و90 سم، وتبلغ سماكة جدرانه قرابة 60 سم، ويضم من جهته الجنوبية غرفة مربعة مخصصة للوضوء، يبلغ طول ضلعها ثلاثة أمتار، ولها مدخل من الجهة الغربية، كما يحيط به حوش يبلغ عرضه نحو 6 أمتار و30 سم، ويضم محرابًا بعرض 85 سم.
وتشير المعلومات المتاحة إلى أن عمر المسجد يتجاوز مئة عام، إلا أن تاريخ بنائه لا يزال غير محسوم، كما لم تتحدد هوية من شيده، ويورد كتاب «على ضفاف العنبري» احتمال أن يكون أحد أفراد أسرة الراشد قد بناه قبل نحو قرن، دون تأكيد هذه النسبة أو الجزم بها.
ولا تقتصر أهمية الموقع على المسجد وحده، إذ يضم وادي النميري عددًا من الشواهد المرتبطة بحياة السكان قديمًا، من بينها نخيل ومزرعة قديمة وآثار بيت حجري، إلى جانب آبار صغيرة عُرفت باسم «الحساوة»، ومنها حسو الفنين، وحسو الراشدية، وحسو السعيدية، وحساوة حمود ابن زومان.
وارتبطت بعض هذه الآبار بالنشاط الزراعي وسقي النخيل، وعُرفت بئر الراشدية بعذوبة مياهها، فيما ارتبط حسو حمود ابن زومان بمزرعة كانت تنتج التمور والفواكه، وينقل إنتاجها إلى غسلة والبلدان القريبة، في صورة تعكس جانبًا من النشاط الزراعي الذي عرفه الوادي في فترات سابقة.
وتحمل تسمية وادي النميري رواية تاريخية ترد في بعض المصادر، تربط الاسم ببني نمير، الذين يُذكر أنهم لجؤوا إلى الوادي وأقاموا فيه مدة طويلة فرارًا من حملة عباسية قادها القائد بغا سنة 232هـ، في عهد الخليفة العباسي الواثق، غير أن المصادر لا تجزم بأن بني نمير أقاموا في هذا الموضع تحديدًا، ولذلك تبقى الرواية مرتبطة بتفسير تسمية الوادي، دون حسم موقع إقامتهم.
وحظي المسجد باهتمام الأهالي والمهتمين وأبناء القرائن، الذين أسهموا في المحافظة عليه، ومن ذلك تركيب دعامات حديدية من الداخل للمساعدة في تدعيم بنيانه. ولا يزال الموقع مقصدًا لمحبي الأماكن التراثية ومرتادي البر، خاصة خلال فصل الشتاء، رغم بُعده عن البلدة وصعوبة الطريق المؤدي إليه.
وتؤكد لوحة مثبتة في الموقع أن المسجد محمي بموجب نظام الآثار والمتاحف والتراث العمراني، الصادر بالمرسوم الملكي رقم «م/3» وتاريخ 9/1/1436هـ، وهو ما يبرز أهمية المحافظة عليه بوصفه أحد المعالم التراثية التي تحتفظ بشواهد من تاريخ المنطقة.
ويبرز مسجد النميري أهمية توثيق المعالم التاريخية في وادي النميري، واستكمال المعلومات المتعلقة بتاريخ بنائه وبانيه، بما يسهم في حفظ ذاكرة المكان والتعريف بما يضمه من شواهد معمارية وحضارية.
المصدر – جريدة الرياض

