في عالم الاقتصاد، لا تُقاس الاستثمارات بحجم الأموال التي تُنفق، بل بحجم القيمة التي تُنتجها. وفي عالم الرياضة الحديثة، أصبحت النجومية العالمية أحد أهم الأصول الاقتصادية القادرة على تحريك الأسواق، وجذب الاستثمارات، وتغيير الصورة الذهنية للدول.
من هذا المنطلق، يمكن النظر إلى تعاقد السعودية مع كريستيانو رونالدو وشراكتها الترويجية مع ليونيل ميسي باعتبارهما استثمارين استراتيجيين مختلفين داخل مشروع واحد. فبينما بلغت قيمة عقد رونالدو مع النصر نحو 200 مليون دولار سنوياً، تراوحت قيمة شراكة ميسي مع وزارة السياحة بين 25 و30 مليون دولار سنوياً. لكن السؤال الأهم ليس حجم الإنفاق، بل حجم العائد الذي تحقق على أرض الواقع.
رونالدو.. استثمار في المنتج الرياضي
عندما أعلن نادي النصر في 30 ديسمبر 2022 تعاقده مع كريستيانو رونالدو، اعتبر كثيرون الصفقة مجرد خطوة تسويقية ضخمة. إلا أن الأشهر التالية أثبتت أن التأثير تجاوز حدود الدعاية إلى إعادة تشكيل المشهد الكروي السعودي بأكمله.
فالعقد الذي جعل رونالدو الأعلى دخلاً في تاريخ الرياضة العالمية لم يكن مقتصراً على اللعب داخل الملعب، بل شمل أدواراً ترويجية مرتبطة برؤية 2030 وملف استضافة كأس العالم 2034.
وخلال فترة قصيرة، تحولت الصفقة إلى نقطة انعطاف تاريخية للدوري السعودي. فقد ارتفع عدد متابعي دوري روشن السعودي على المنصات الرقمية من نحو 500 ألف متابع إلى أكثر من 4.2 ملايين متابع خلال 18 شهراً فقط، بنسبة نمو تجاوزت 740%.
كما توسعت حقوق البث التلفزيوني للدوري من نحو 40 دولة إلى أكثر من 160 دولة حول العالم، ما منح الكرة السعودية انتشاراً غير مسبوق في الأسواق الدولية.
أما على المستوى الفني، فقد سجل رونالدو 102 هدف مع النصر في 107 مباريات في دوري روشن، وقاد الفريق إلى المنافسة على البطولات المحلية، في وقت أصبح فيه نموذجاً احترافياً مؤثراً داخل المنظومة الرياضية السعودية.
اقتصادياً، ارتفعت القيمة السوقية لنادي النصر من نحو 30 مليون دولار إلى ما يقارب 140 مليون دولار، بينما حققت مبيعات قميص رونالدو أرقاماً قياسية عالمية خلال أول 24 ساعة من طرحه.
لكن التأثير الأكبر ربما لم يكن في الأرقام المباشرة، بل في الرسالة التي وجهها للعالم. فبعد توقيعه مباشرة، بدأت موجة انتقالات غير مسبوقة إلى الدوري السعودي، شملت أسماء بحجم كريم بنزيما، ونغولو كانتي، ورياض محرز، ونيمار، وغيرهم من نجوم الصف الأول.
وتشير البيانات إلى أن الأندية السعودية أنفقت خلال صيف 2023 وحده نحو 957 مليون دولار على التعاقدات، وهو رقم كان يصعب تخيله قبل وصول رونالدو.
باختصار، لم يكن رونالدو مجرد لاعب في الدوري السعودي، بل كان الاستثمار الذي رفع قيمة المنتج الرياضي السعودي عالمياً.
ميسي.. استثمار في الصورة السياحية
إذا كان رونالدو قد رفع قيمة المنتج الرياضي، فإن ليونيل ميسي تولى مهمة مختلفة تماماً: رفع قيمة الصورة الذهنية للمملكة على المستوى العالمي.
في مايو 2023، وقع النجم الأرجنتيني اتفاقية ليصبح سفيراً عالمياً للسياحة السعودية ضمن حملة “Visit Saudi”، بعقد سنوي تراوح بين 25 و30 مليون دولار.
ورغم تلقيه عرضاً رياضياً ضخماً للعب في الدوري السعودي قُدرت قيمته بنحو 400 مليون دولار سنوياً، اختار ميسي الانضمام إلى إنتر ميامي، لكنه استمر في لعب دور مؤثر ضمن الاستراتيجية السياحية السعودية.
ليلة أثبتت قوة النموذج
رغم اختلاف الدورين، جاءت ليلة 19 يناير 2023 لتختصر الفكرة كاملة. ففي مباراة كأس موسم الرياض التي جمعت باريس سان جيرمان بفريق نجوم الهلال والنصر بقيادة رونالدو، شاهد العالم أول مواجهة مباشرة بين رونالدو وميسي بعد انتقال النجم البرتغالي إلى السعودية. لم تكن مجرد مباراة استعراضية انتهت بنتيجة 5-4، بل كانت عرضاً عالمياً لقدرة المملكة على صناعة الأحداث الرياضية الكبرى. المباراة نُقلت إلى نحو 180 دولة حول العالم، فيما تجاوزت مشاهداتها الرقمية حاجز المليار مشاهدة، كما حققت إيرادات تذاكر بلغت 10.5 ملايين دولار، لتسجل رقماً قياسياً آسيوياً للمباريات الودية.
في تلك الليلة اجتمع المشروعان في صورة واحدة؛ رونالدو ممثلاً للتحول الرياضي السعودي، وميسي ممثلاً للامتداد العالمي والسياحي للمملكة.
قراءة اقتصادية
عند قراءة الأرقام بصورة شاملة، يتضح أن السعودية لم تستثمر في نجمين فقط، بل في مسارين استراتيجيين متوازيين.
استثمار يقارب 200 مليون دولار سنوياً في رونالدو ساهم في رفع قيمة الدوري، وزيادة انتشار البث، وجذب استثمارات وصفقات بمئات الملايين.
واستثمار يتراوح بين 25 و30 مليون دولار سنوياً في ميسي ساهم في الوصول إلى مئات الملايين من المتابعين حول العالم، وتعزيز جاذبية المملكة كوجهة سياحية عالمية.
وبلغة الأعمال، يمكن القول إن رونالدو استثمر في “المنتج”، بينما استثمر ميسي في “العلامة التجارية”.
ما قبل 2034
مع اقتراب كأس العالم 2034، تبدو هذه الاستراتيجية أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فنجاح أي دولة في استضافة أكبر حدث رياضي عالمي لا يعتمد فقط على الملاعب والبنية التحتية، بل يحتاج إلى دوري قوي، وجماهير متفاعلة، وصورة دولية جاذبة، ووجهة سياحية قادرة على استقطاب ملايين الزوار.
وهنا تحديداً يتكامل الدوران.
وفي النهاية، لم تكن المسألة اختياراً بين رونالدو أو ميسي، بل كانت استثماراً في قوتين مختلفتين تخدمان الهدف ذاته. أحدهما يبني القيمة الرياضية، والآخر يبني القيمة السياحية، وكلاهما يعمل على ترسيخ مكانة المملكة كأحد أهم القوى الصاعدة في الرياضة والسياحة والاقتصاد العالمي خلال العقد المقبل.
المصدر – جريدة الرياض

